محمد كمال يكتب : الخريطة السياسية في العام الجديد

محمد كمال يكتب : الخريطة السياسية في العام الجديد
بتاريخ : الاثنين 07 يناير 2013
بقلم: المهندس محمد كمال

اقتربت بدايتا العامين الهجري والميلادي من بعضهما، ولعلها إشارة إلى قرب التحام ما تشتت عمدًا- أو بغير عمد- في نسيج الوطن.

ويحمل العام الجديد (ملامح)  تشكيل خريطة "مصر" السياسية التي بدأت قسمات صورتها تتبلور، ويبدو أنها ستكون كاﻵتي:

أولاً: تشكيل التيارات السياسية الإسلامية.

لا شك أن الإصرار الرئاسي على بناء المؤسسات سيسهم في التسريع ببلورة خريطة سياسية جديدة "لمصر"، والتي نتوقع أن تؤثر في كل التيارات ومنها "التيار اﻹسلامي" الذي يتميز بكونه (عديد الروافد)، والذي يتقدمه تياران معلومان وهما "الإخوان" و "السلفيون"، وتأتي روافد أخرى تبحث عن وجودها بتقديم رؤى متجددة؛ فبعضها سيحاول تقديم نفسه بأنه الوسطية الإسلامية الحقيقية البعيدة عن (صراع الأقطاب) (إسلام - علمانية) وبالتالي سيقبل بلا تحفظ بالوجود العلماني في المكون الوطني بكل تفاصيله، ولا يمانع من التحالف معه، وهذا رافد "د.عبد المنعم أبو الفتوح"، ورافد ثانِ عكسي سيتقدم باعتباره "الإسلام الحقيقي"، وبأنه( السلفية ولكن بلا صدام)، وأنه( الاعتدال الإخواني ولكن بلا تفريط)!!، وسيكون (خطابه) مُرحّبًا "بالعلمانية" كجزء من النسيج الوطني، لكنه (سيعمل) ضد وجودها على الأرض باعتبار تكوينه السلفي الرافض تمامًا للتواؤم مع اﻵخر العلماني، وغالبًا لن يُقنع أحدًا بأنه( فصيل إسلامي للجميع) كما يتمنى، وذلك لسابق خطابه المتصادم مع مخالفيه، وهذا الرافد يمثله "حزب الوطن" وما سيحيط به من أحزاب وائتلافات إسلامية صغيرة، وهذه الأخيرة ستكون لها فرص اختيار بين الروافد الإسلامية، وغالبًا سيكون الاختيار مصلحيًّا لاطمئنانها إلى توافر بُعد (المبادئ) في جميع الروافد، والحقيقة أننا نتوقع أن تسحب الروافد الإسلامية الجديدة من الرصيد "الليبرالي والعلماني"، ولن تكون خصمًا من الرصيد اﻹسلامي للقوي الكبرى؛ إذ نتوقع أن يتعافي "الإخوان" من آثار الهجمة الإعلامية، ومن الآثار الجانبية لتحمل مسئولية "الرئاسة"، وكذلك نتوقع أن تُثبّت "الدعوة السلفية" أقدامها في كتلتها الصلبة، مع فقدان جزء من شعبيتها في عواصم المحافظات لصالح رافدي "الوطن"و"حازم".

  أما "الرافد الحازمي" فلن يكون له زخم انتخابات الرئاسة الذي كان "حازم" يمثل فيها (الإسلام في مواجهة العلمانية والفلول)، وذلك قبل خوض د. مرسي المعركة، ولكنه سيجمع الشباب السلفي ذا المذاق الجهادي والمُسيسي، والرافض أحيانًا لممارسات قيادة "الدعوة السلفية"، والذي سينحصر تأثيره في كتل حضرية يصعب امتدادها إلى الريف إلا بمساعدة روافد إسلامية أخري مثل "الجماعة الإسلامية" في بعض دوائر الصعيد.

و"الجماعة اﻹسلامية" تختلف عن "السلفيين" في أن قيادتها توافقية وصفها حاد الرأي، غالبًا لا يقبل الحلول الوسط، لذلك تُلجئهم الشورى لاختيارات حادة لا تتفق مع رأي القيادة؛ وذلك لعدم نضج التجربة الشورية التي تنقل الخبرات صعودًا وهبوطًا بين القيادة والصف.

أما رافد "د. أبو الفتوح" أيضًا فلا نتوقع أن يكون له نفس تأييد انتخابات الرئاسة، وذلك-ابتداء- بفقده  للتيار السلفي بكل أطيافه وعودة بعض الدوائر الإخوانية المؤيدة له إلى بيتها الأصلي بعد تحمل مسئولية الرئاسة، وتخلي الليبرالية والعلمانية عن "الدكتور أبو الفتوح" ودخولها في سياق تحالفات أخرى.

وبالتالي يظل رهان "عدم الاستقطاب" الذي يدشنه "الدكتور" رهانًا نخبويًّا يعتمد على الأداء الإعلامي، وعلى شخص "الزعيم"، والذي ينجح فيه "الدكتور" عادة، وهو وإن كان يفتقر إلى القواعد الشعبية على الأرض فإنه لا يفتقر إلى دوائر شبابية ممتازة تؤمن بفكر "الحزب" و"زعيمه" وتتوق لأن تقدم تجربة "أردوغانية" ذات مذاق مصري، ولكن أصعب ما يواجه هذا الرافد أن النصيب الأوفر في هذه الآونة المضطربة يكون عادة للألوان الحادة الواضحة التي تفهمها العامة، والتي لا يمتلك منها "الدكتور" حظًا كبيرًا.

ثانيًا: تشكيل التيارات العلمانية والليبرالية

ما زالت روافد التيار العلماني تعاني تشرذمًا في كل عناصر الحضور السياسي الشعبي، وهي في حيرة شديدة من كيفية تقديم نفسها بشكل نهائي، فلا أحد يعرف مصير "جبهة الإنقاذ" التي تم تشكيلها لتكون (بديلاً عن الرئاسة الشرعية) وليست (فريقًا للعمل السياسي والمنافسة الانتخابية)، وهم يجدون أنفسهم في مفترق طريق مفاجئ، وهو هل سيتحولون إلى العمل السياسي طويل المدى، أم يظلون على القاعدة التي جمعتهم وهي إسقاط "الرئيس"؟

أم سيجمعون بين المتناقضين فيظل "التحالف" على هدفه الأول، مع تغيير تكتيكي بخوض الانتخابات؟

وقد يظن البعض أنه قرار سهل، ولكن الحقيقة غير ذلك؛ لأن إعلانهم بخوض الانتخابات يعني اعترافهم بالفشل في مواجهة "الرئيس"، ويعني أنهم سيعملون في مجال لم يتفقوا ابتداء على وضع ضوابطه واتفاقياته فيما بينهم، ويعني أنهم سيلجئون للشعب بعد أن استندوا للإعلام والمال والنظام السابق، كما أن صعوبة القرار تكمن في الفوارق بين تقدير كل قيادة لثقلها في الميدان، فالسيد "حمدين صباحي" قد فرغ لتوه من تشكيل "التيار الشعبي" الذي يتصور أنه مؤيد بالملايين التي منحته أصواتها في انتخابات "الرئاسة"، وهو يحسب نفسه أثقل الجميع ولا يريد أن يرتبط بمن يُفقده ما بناه منفردًا.

وهناك "عمرو موسى" الذي انتقلت له- أو يمكن أن تنتقل- تركة "أحمد شفيق" السياسية المتمثلة في "تنظيم الحزب الوطني المنحل" ورجاله المنتشرين في مفاصل الدولة، وهو يرى أن رصيده هو جماع الأصوات التي أيدت "شفيق" وأيدته في انتخابات الرئاسة أيضًا؛ وذلك بالإضافة للظهير العربي الذي سيكون"موسي" هو اختياره الأول لعودة نظام يمكن التعامل معه ولا يمثل تهديدًا ثوريًّا لهؤلاء العرب.

أما "البرادعي" فما زال عازفًا أو ربما مستعليًّا عن خوض أي منافسة انتخابية، وبوصلته تميل دائمًا إلى (الصفقات السياسية)، والوصول إلى الحلم عبر (مائدة التفاوض)، وهو يعتبر أن الظهير الأمريكي والأوروبي ما زال يمثل له سندًا قويًّا سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو السياسية على مصر.

ولكن "الرجل" لا يفتقر إلى قاعدة شبابية ونخبوية تؤمن به وتدفعه للعمل الشعبي، رغم أنه خذلها في كل ما سبق من تجارب، لكنهم ما زالوا يعتبرونه حكيمًا في قراراته… حتى تلك الصادمة لهم، "فالبوب" (كما يطلق عليه الفيسبوكيون) ذو تاريخ عريض يستحق- من وجهة نظرهم- التأييد والمساندة والعمل تحت قيادته.

وعلى عكس التيارات الإسلامية التي نتوقع أن تثبت الروافد القديمة فيها أقدامها (الإخوان والسلفيين)، فإن المتوقع أن تفقد الروافد العلمانية القديمة بوصلة حركتها… ونشير هنا إلى "الوفد" الذي تراوحت رهاناته بين مساندة الإسلاميين في بداية أعمال "الجمعية التأسيسية" ثم الانقضاض عليهم والدخول في "جبهة الإنقاذ"، ولكن"الوفد" لديه من يقول لقيادته: كنا على خطأ، ولديه من يوجه البوصلة إذا عزموا على ذلك، لكن المشكلة تكمن في أن "التيار الإسلامي" سيتردد كثيرًا  قبل أن يقبل "الوفد" على قوائمه؛ وذلك بسبب الاستقطاب (العلماني- الإسلامي) الذي ألقي بظلاله على الجماهير المسيسة إسلاميًّا، وكذلك فإن لجوء "الوفد" إلى "جبهة الإنقاذ" سيجعله عرضة لحسابات تضعف وضعه السابق؛ لأن جميع روافد "الجبهة" سيدفع بادعاءات لا دليل قاطعًا عليها بأنه اﻷثقل شعبيًّا، وبالتالي لن يجد "الوفد" وضعًا محترمًا يخرج به من تضارب المواقف.

ورغم إعلانه بالانحياز إلى "الجبهة" فإن اتصالاته ستظل مستمرة لعله يجد تحالفًا يرفعه ولا يهبط به.

وكنتاج للحراك السابق فإن مكونات "الجبهة" ستظل تدور في فلك نفسها غالبًا.

أما "غد الثورة" و"الحضارة" وأمثالهما من الأحزاب الصغيرة فقد عبّرت قياداتها عنها تعبيرًا متوازنًا سواء نخبويًّا أو إعلاميًّا، وقد يصل رذاذ طيب من مواقفهم  للجمهور عبر دورهم في صياغة الدستور.

و"د. أيمن نور" سيظل يعلن أنه منحاز" لليبراليين"، ولكن عينه ستظل على "التحالف الإسلامي"، ولو نجح "الإخوان" في وضعه بمكانة متميزة سيذهب إليها فورًا، وسيكون هذا بمباركة نجوم التأسيسية الذين وثقوا في "الإخوان" بسبب تعاونهم معًا ﻹنجاز "الدستور"، وقريب جدًا من هذا القول نقوله على "حزب الحضارة" بقيادة المحترم "محمد الصاوي".

وسيلاحظ القارئ الكريم أننا أبقينا "حزب الوسط" منفردًا عن السياق الإسلامي؛ وذلك لأننا نتوقع أن تحاول قيادة الحزب أن تجني ثمار العمل البطولي لقياداته الثلاثة (أبو العلا– سلطان – محسوب) في صياغة "الدستور"، والذي أعلمه عن قيادة "الحزب" أن طموحهم مرتفع، لذا سيحاولون بناء تحالف منفرد عن الإسلاميين والليبراليين يجمعون فيه رافد "مصر القوية" و"الوطن" و"الحضارة" و"غد الثورة" وربما "التيار الشعبي"؛ وذلك ليشكلوا أغلبية تفرز "حكومة"، وأتصور أن هذا الإخراج سيكون بديلاً وحيدا إذا لم يجدوا مكانًا فسيحًا في قوائم "الإخوان"، وإذا لم تستطع قيادة" الوسط" في التخلص من الحاجز النفسي العميق تجاه "الإخوان".

ولا شك أن تحالفنا يضم "الإخوان" و"الوسط" و"غد الثورة" و"الحضارة" و(ينسق) مع "السلفيين" بجميع روافدهم سيكون له اليد الطولي في قيادة العمل السياسي في المرحلة القادمة بإذن الله.




تعليقات الزوار